أحمد بن أعثم الكوفي
497
الفتوح
من الخبر أني قد تركت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبين لحاهم بدموع أعينهم على قميص عثمان ، وأنهم قد عاهدوا الله عز وجل أنهم لا يشيمون سيوفهم في أغمادهم أبدا حتى يقتلوا من قتل عثمان ، يوصي به الميت الحي ويرثه الحي عن الميت ، حتى والله لقد شب عليه الصغير وهاجر عليه الاعرابي ، نعم والله وحتى أن الناس قد كانوا يقولون : تعس الشيطان ! والآن فهم يقولون تعس قاتل عثمان بن عفان ! قال فقال له علي : ويحك ! يا أخا بني عبس ! فيريدون بذلك ماذا ؟ فقال العبسي : يريدون والله خيط رقبتك ! فقال له علي رضي الله عنه : تربت يداك وجدب فوك . قال : ثم وثب إليه رجل يقال له صلة بن زفر العبسي وهو صاحب حذيفة بن اليمان فقال له : بئس الوافد أنت يا أخي بني عبس لأهل الشام ، وبئس العون لمعاوية ! أتخوف المهاجرين والأنصار ببكاء الرجال على قميص عثمان ! فوالله ما قميص عثمان بقميص يوسف ولا بكاؤهم عليه كبكاء يعقوب ! ولئن بكوا عليه بالشام فقد خذلوه بالحجاز ، وأما قتالهم أمير المؤمنين عليا فإن الله عز وجل يصنع في ذلك ما يحب ويرضى . قال : وهم الناس بالعبسي وقاموا إليه بالسيوف ، فقال علي رضي الله عنه : دعوه فإنه رسول ، ولكن خذوا منه الكتاب ، قال : فأخذ الكتاب من يده ودفع إلى علي ، فلما فضه لم ير فيه شيئا أكثر من ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، قال : فعلم أن معاوية يحاربه وأنه لن يجيبه إلى شيء ، فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، حسبي الله ونعم الوكيل ، فأنشأ قيس بن سعد بن عبادة وهو يرتجز ويقول شعرا . قال : ثم إن العبسي رسول معاوية قام إلى علي رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ! والله لقد أقبلت وأنا من أشد الناس عليك حنقا لما أخبرني عنك أهل الشام ، وقد والله أبصرت الآن ما فيه أهل الشام من الضلال وما أنت فيه من الهدى ، ولا والله ما كنت بالذي أفارقك أبدا ولا أموت إلا تحت ركابك ! ثم إنه كتب إلى معاوية أبياتا مطلعها : كدت أهل العراق بالبلد الشا * م شفاها وكان كيدي ضعيفا إلى آخرها .